مواهب

أسامة الشيحاوي فنان معاصر من الزمن الجميل

جود حسين : منذ أربعة و ثمانون عاماً و في ولادة تاريخية غيرت مجرى الفكر و الثقافة و الفن، غيرت المحتوى العام و نقلته من ضفة إلى ضفة و في مخاض تاريخي لأم نامت على طرف البادية، كانت ولادة الماغوط..أربعة و ثمانون عاما منذ ولادة محمد الماغوط و حتى اللحظة أنجبت سلمية العديد من الأشقاء منهم من ورث منها الادب و منهم من ورث الموسيقى و منهم من ورث عنها صنع الحياة..

و ذات يوم في أحد أيام سلمية الشتوية الباردة و في مكتب صغير احتوى تاريخا يمتد لأكثر من ثلاثين عاما، جلس هو، ذلك الشاب ذو الملامح المارسيلية و اللحية البيضاء المشذبة و خلف عيون تشهد على قدوم الأشقاء و رحيل الأشقاء، أسامة الشيحاوي، النحات و الرسام و الأديب المفكر، و لعلمي بأن الشيحاوي يفضل أن يتكلم فنه عنه قررنا بتغيير مجرى المقابلات الشخصية و تحويلها لجلسة معمقة كُشِفَ فيها الكثير عن فن الشيحاوي الدقيق و الهادف…

( الأحداث قسمت على أجزاء و كل جزء يتناول مرحلة من اللقاء)

1-بداية جلسنا في ذلك المكتب الصغير المواجه للمعرض و قبل التطرق للحديث قد ينال المكتب جزء من حديثي…لا أنكر بعودتي لأكثر من عقدين من الزمن بجلوسي هناك، حرفيا الزمن توقف خلف تلك الواجهة الزجاجية، سلل القش المصنوعة يدويا، الفانوس، ميزان أثري، تلفاز قديم، صورة قديمة لسيارته الشيفروليه الحمراء، المكتب متحف بحد ذاته حافظ عليه أسامة الشيحاوي لعقود و أغلب مصنوعاته صنع أنامله.

2-جلس ذلك الشاب، إن كنت معتادا عليه فسترى أسامة ، إما بحال جلوسك معه للمرة الأولى سترى ملامح واضحة لمارسيل خليفة، ذات اللحية و الشعر الأبيض الممتزج بسواد الليل، ذات تقاسيم الحزن و الأحلام التائهة في شوارع المدينة القديمة ، ذات العيون الغائرة في زمن عتيق ينتظره ليعود، قد يكون الشيحاوي شابا و لكن قلبه نبض للمرة الأولى منذ عهد الدولة الفاطمية و أكثر بكثير ف قلوب المبدعين كالذرة لا تفنى و لا تخلق من عدم.

3-كانت قهوتنا جاهزة إلى جانب منفضة السجائر الممتلئة على تلك الطاولة الخشبية، نظر أسامة لمعرضه في الخارج و أشار بيده : ذلك التمثال عملت عليه لعام و نصف. نظرت باتجاه الإشارة فلمحت مجسما يشبه جدي من بعيد، ذات الوقفة و ذات العكاز، ذات اللباس القديم و ( الكضاضة) البيضاء الناصعة، شيئ ما مر في صدري، أمر مختلط بين حنين و حزن، أعادتني إشارة أسامة لحضن جدي اثناء الصلاة.

4-خرجنا للجلوس في الحديقة المقابلة التي بني عليها المعرض و أسسه بها ، مساحة ليست قليلة، أينما نظرت ستشاهد رفاقا يجلسون معك، خلف العرس الشعبي، أمامك الفلاح المنهك، إلى جانب عجوزان يلعبان ( المنقلة) هناك صبايا يردن المياه بالخوابي الممزوجة بلون التراب، عالم متكامل جلسنا في وسطه عزلنا عن هذه الحضارة المزيفة.

5-قال : لست بحاجة لتمويل من أحد، هناك من أحق مني، أطفال جياع قضت على أحلامهم الحرب أهم بكثير من الفن و النحت، أنا أعمل لوحدي و من نفسي و قد صنعت ما صنعت بأبسط المواد الأولية، انظر…ذلك التمثال صنعته من الأواني البلاستيكية بالكامل، كل المعرض صنعته هكذا، ما رأيك؟؟…أتذكر بأنه كان يتكلم و أنا انظر إليه، كم أنت عظيم يا ابن البادية.

6-وعدوني كثيرا و تكلموا كثيرا و لكنهم جاؤوا و لم يعودوا، هكذا وصفهم الشيحاوي لأولئك الذين قدموا لينالوا لقاء معه و امطروه بالوعود و ذهبوا، لم يلم أحداً، قال الحرب سرقت الكثير و أنا أفضل أن تصل المساعدة لغيري و لكن كلمة الشكر من جهة رسمية تساوي لدى الكثير مع علمي بأن عملي وصل لخارج حدود الوطن و فخري بذلك يساوي الكثير و الكثير.

7-المحافظ لم يصدق، بالفعل انا الجالس أمام المجسم ظننته نحتا من حجر فكيف الزائر الغريب البعيد بالمسافة؟؟…نعم إنه تمثال من مراد أولية و ليس نحتا من حجر ما رأيك؟؟ أخبرته بأن الكثير من الفنانين شاهدوا العمل في تقرير سابق نشرته فأخبرني بأنه يعلم، فـكثير من الاتصالات ترده و الكثير من النحاتين وصلهم احساسه في العمل و لكنه يفضل أن تنال الشهرة من أعماله و أن تبقى بعيدة عنه قد المستطاع.

– قد تكون صياغة التقرير أو المقابلة أو أيا يكن وصفكم لها نقلة نوعية في مجال العمل الإعلامي، و لكن أمثال أسامة الشيحاوي لا يحتاجون تلك البهرجة الإعلامية و الكلام المعسول و الوعود الزائفة، صنعت تقريري من ذاكرتي و من لقطات عيني التي شهدت على ذلك المبدع، كسرت كل برتوكول المقابلات الشخصية، لأن شخصية و فن الشيحاوي المتمردة و الفريدة من نوعها تستحق أن نحطم قواعد اللقاء و نمطية السؤال و الجواب، أسامة الشيحاوي مشاركا في أكثر من فعالية و متواجدا في أكثر من لقاء تلفزيوني لا يحتاج منكم سوى شكر رسمي من جهات رسمية، يرفض حتى اللحظة نشر ما صنع على منصات التواصل الاجتماعي فالشيحاوي زاهد للشهرة مقتنع بفنه الذي يتحدث عنه خلف البحار، معرض الشيحاوي لن تتوهوا عنه، هناك في أحدى أحياء السلمية من الجهة الشرقية، أمام الله و خلف التوقيت، بين الحلم و الواقع، ستجدون شابا بملامح مارسيلية تحمل في طياتها مدينة كاملة.

الصور : عدستي على دمشق الآن / تحرير : جود حسين