مواهب

رسوم تحمل رهافة حسية، و روح صبورة خلاّقة تبدع كل جديد

 

الرسم موهبة وضعها الله في أشخاص معيّنين, وهم الذين يتميّزون عن غيرهم في فن من الفنون ويبدعون فيها.

تبدأ حكايتنا اليوم من مدينة دمشق الولّادة دائماً للإبداع والمبدعين,الرسام مصطفى منصور, سكنته الموهبة منذ الصغر، والداه كان لهما فضل كبير باكتشافها ومساعدته في تطويرها,والدته آمنت بإبداعه المبكر فكانت تسعى جاهدة لمحاولة اسعاد قلبهعلى أن يشارك مشاركة دورية في القسم المخصص للمواهب “نادي الرسامين” في اصدارات مجلات فنية متعددة.  عوناً له على تنمية هوايته في الرسم والألوان, اكتسب ثقة مطلقة برسوماته في سني دراسته باعتماد المعلمين على مصطفى الموهوب, فكانوا لا يتوانون بطلب رسومات منه تعينهم لإيصال معلوماتهم إلى الطلاب مما جعل له مكانة محببة عندهم, وعند أصدقائه وباقي الطلاب لجميل ما يُبدع.

  • لقد شكَّلت البيئة القريبة من البساتين التي وُلِدَ وعاش فيها مصطفى مع حاراتها، مرسماً حرَّاً لهفيها رسم الطبيعة بحب وشغف كبيرين, وكانت من أكثر المواضيع التي افتتن بتفاصيلها, وقد شكّلت هاجساً لديه؛ حتى إنه كان في بدايات مرحلة الطفولة يذهب إليها ويجلس ساعات مطولة بين أحضانها, بقلم رصاص وأكداس من الورق, ثم يأتي في نهاية اليوم محملاًبحصيلة من الرسومات الجميلة لها,ومعالمحاولات العديدةفي رسمهاكان يشعر وكأن يده قد تحوَّلت إلى عين,فكانت عينه المتأملة تلتقطها، فيما كانت يده الأمينة توثِّق ما يراه وما يشعر به.
  • أما الخصوصية التي تتمتع بها دمشق القديمة بحاراتها الدافئة والحميمية,قد شكَّلت أثراً واضحاً في نفسه، فجاءت رسومه عن تلك الحارات، محمَّلة بالعشق والشاعرية، من خلال التأليف المبدع للألوان التي استخدمها, والتي بواسطتها نقل صورة مؤثرة وعميقة, عن تلك البيئة التي تنقل فيها، وعايشها برهافة حسّية، وعيون كانت تلاحق كل زواياها التي تحكي ألف حكاية وحكاية.

 

 

  • يعيدنا مصطفى بحديث مختصر إلى طفولته، وما كان فيها من أحداث ورؤى عالقة في ذكرياته. يستعيد لحظات من السعادة كيف له أن ينساها عندما كان يحتل زاوية من زوايا الغرفة ليلتقط بالرسم ملامح وجه زائر من زوّار والده وأصدقائه, وبسؤالي مصطفى عن كل هذه التفاصيل في لوحاته الواقعية (البورتريه) يقول: “الوجه هو مرآة الإنسان, والنافذة التي يطلُّ من خلالها إلى العالم فهو يستشف منها قصص كثيرة, دونما أن ينطق أو يهمس صاحبها حرفاً واحداً” ورسم البورتريه عنده هو عبارة عن لغة ينقلها بطريقته و أسلوبه, مستوحاة من التعابير الداخلية العميقة لشخوصه, وأحياناً أخرى هي ترجمة لمشهد معيّن أو موقف معيّن يرسمها بصورة فنيّة تعبيرية مؤثرة، وقد يركزعلى عمق الحزن في الوجه أو أبعاد السعادة أو آثار الزمن الناخرة لمساحة الوجه. وقد أبدع في رسم فتيات استدارت وجوههن لتشبه القمر في لوحات واقعية غاية في الدقة والإتقان.

 

 

– إن ما نراه ونحن نستعرض أعمال الرسام مصطفى منصور، والمنفّذة إما بالألوان المائية, أو الخشبية, أو بالفحم الأسود أو الأبيض، فإنناومنذ الوهلة الأولى نجد أنفسنا أمام رسوم متقنة التنفيذ، بمهارة اليد التي تلبَّي نداءه دائماً، بألوانه المحببة, الممزوجة بشفافية وحساسية ونقاء. في جميع المواضيع التي تناولها، وعلى الرغم من قلة إنتاجه في فترة من الفترات، إلاّ أنه يقدم رؤية متميّزة, وينقلها بصورةرؤيتهِ الخاصة التي يتبعها, ويصيغها بفكرة جميلة تجعلهُ مميزاً عن غيرهِ .

 

قال لي مرة ” اللوحة عالم كبير, ندخل إليها ببراءة ونخرج محملين بأشياء كثيرة “,فالرسام لايرسم بيده، وإنما بروحه وقلمه الذي يمثل أحد مجسات روحه التي تخط أحاسيسه ومشاعره,ينطق ويحاكي الجمهور المثقف الذي يجيد فك رموز وألغاز اللوحة التي يمنحها الرسام منصور جزءً من روحه ليتقاسم معها السعادة.هذا هو مصطفى كما كان دائماً وكما عرفته عن قرب متفرداً بإحساسه وبطرحه لما يرى. مصطفى منصور مثل أي إنسان عين وقلب ويد وإدراك,سار بخطا ثابتة قاطعاً هذا الطريق,ليثبت برهافة حسية عالية كلما أحس و شعر به في لوحاته.لكن أعماله في مجال الرسم ستبقى وصفة استثنائية ضد الفناء,تجارب سنوات طويلة أنضجها بروحه الصبورة الدائبة على ولادة عمل فني يوقعه في النهاية باسمه…

 

بقلم : الفنانة رغدة سعيد 

تعليق 1

اضغط هنا لإضافة تعليق

  • كل الشكر للاستاذه رغده …مقاله مفعمه بالصدق وفنان يستحق الاشاده بتواضعه وابداعه ونقله جانب من دمشق ودفئها والوجوه وما تختزنه من حكايا صامته..